الجمعة، 24 ديسمبر 2010

روكــــــــة - قصة قصيرة








"يلا يا ابني .. اصحى يا حبيبي .. الفجـر خلاص أدّن.. اصحى يا ابني الله لا يسيئك عشان تلحق الجماعة ."
بهذه الكلمات الغالية توقظ السيدة مبروكة " أم صابر " أو كما يقول لها عندما توقظه "صباح الخير يا روكة"
ثم يطبع قبلة على يدها الخشنة بعض الشيء نتيجة إمساكها معظم ساعات اليوم بالخضر والقيام بغسيلها ونزع ما علق بها من طين وتراب .

السيدة مبروكة من مواليد قنا وقد ارتحلت مع والدها إلى الإسكندرية وهي ابنة عشر سنوات ، تربت في سوق باب عمر أحد أشهر الأسواق وهي كما يقولون " بنت بلد" تعمل في بيع الخضروات بأنواعها المختلفة ولها{فرش}في السوق ، وعلى الرغم من تقدمها في العمر إلا أنها ترفض تمامًا فكرة أن يساعدها صابر في البيع وتصب كل جهدها على الإنفاق على صابر ومساعدته في إكمال تعليمه وتسخير كل سبل الراحة له .

صابر: "أمّا ؛إنتي ليه مش بتخليني أبيع معاكي ع الفرش  ؟"
مبروكة: اخرس يا واد ..إنت تتعلم وتذاكر وبس.. وهتبقى دكتور . مش بياع خضار . فاهمني ولا لأ ؟؟ دكتووور
صابر: ناظرًا إلى نفسه ولملابسه المتسخة وهيئته التي يرثى لها قائلًا في سره : دكتور!!

إلا أن صابرًا الذي يظن نفسه بلا وزن في هذه الحياة كان حاد الذكاء ويتمتع بشيء من القبول الذي جعل كل أساتذته يتعاطفون معه ويشجعونه فكان من يعطيه كتابًا يطلع عليه أو من يعرض عليه درسًا بالمجان أو من يعطيه هاتفه للرد على أسئلته في أي وقت .

بينما كانت مبروكة في طريق عودتها للمنزل فكرت في عمل مفاجأة لابنها الحبيب _دكتور صابر_ لا تعلم ما هي ، وبينما هي تنظر تجد الهدية أمامها وبلا تردد تدخل الصيدلية الكبرى الكائنة بشارع أبي قير وبكل براءة تلقي السلام على الصيدلاني وتقول : " بكام دي؟" مشيرة إلى { سماعة الأذن خاصة الطبيب}
يبتسم لها الطبيب وبكل تواضع يقول :"ودي عايزاها ليه يا ست الكل ؟"
تصمت برهة ثم تقول " دي لابني "
يرد بوجه يبدو عليه بعض الدهشة " هو انتي ابنك دكتور يا حاجة ؟"
ترد: ها..!!! آآه إن شاء الله . أنا ابني في ثانوية عامة
يعاود الابتسامة : طيب يا ستي ربنا يخليهولك، دي بمتين وستين جنيه
منصعقة : كام!!!   طيب يا ابني متشكرة ، ثم توليه ظهرها متجهة نحو الشارع المزدحم .. تشعر وكأنها ضلت الطريق .. في خطوات وئيدة تتجه نحو باب الصيدلية .

يتأنى الصيدلاني بعض الوقت ويشعر بالإشفاق نحوها ، وبدون تردد يختطف السماعة من فوق الرف المخصص لها ويجري ورائها مناديًا .. استني يا أمي ..
-         نعم يا ابني ؟!
-         خدي يا ماما _ مناولًا إياها السماعة _
وما هي إلا لحظة حتى انسكبت عبراتها مبللة خمارها قائلة " يا ابني أنا مش شحاتة "
- " أستغفر الله يا أمي ما تقوليش كده أنا مش زي ابنك برضو ؟! خديها ولما تتيسر ابأي تعالي ادفعي تمنها "
يستحيل البكاء إلى ابتسامة بريئة لم تكن لكل أشعار الدنيا أن تصف مدى روعتها ، وتصير عجوز الستين إلى عذراء في العشرين تمشي في خطوات متمايلة فرحًا .

وبينما هي في طريقها للمدرسة تلمح من بعيد ما يحول كل فرحتها إلى وجوم ....
أطفال يلعبون خلف المدرسة _ حفاة الأقدام _ حقائبهم ملقاة على الأرض .. ومن بينهم  صابر 

" صابر!!  صابر !! ابني صابر مزوغ من المدرسة وبيلعب في الشارع ؟؟؟ "
-         صارخة : صااااااااااااااااابر
يسود الصمت لحظات تلتقي فيها عينا صابر ومبروكة ولأول مرة ٍ يرى " روكة " غاضبة ويستشعر خوفًا يهز قلبه تجاهها .. أمي!!!!!!
-         كاتمة غضبها : "البس جزمتك ويلا بينا "
في الطريق تذوب الكلمات على شفتي صابر ولا يدري ماذا يقول ، هل يعتذر ؟؟ هل يصمت ؟؟ هل يبكي ؟؟
وبمجرد وصولهما تضع مبروكة قدمًا ولا تزال الأخرى في الشارع .. تسقط مغشيًا عليها ...
صابر: أمّااااااااا      أمّااااااااااا ..       مالك يا أمّاااااا ؟؟!!

يساعده الحاج {شرف} في توصيلها للحجرة الخاصة بها وبعد إفاقتها تجد صابرًا جالسًا تحت قدميها وقد استحالت عيناه إلى اللون الأحمر الدموي ..
مبروكة: "ولا يا صابر .. عينيك كاسات دم .. خلاص يا ابني .. أنا كويسة ما حصلش حاجة "
صابر :" أنا بحبك أوي يا أمّا.. أنا شفت الهدية اللي جيبتيهالي ..سامحيني يا أمّا .. وحياتك إنتي .. وحياة
" روكة " لهذاكر وهتعب وهدخل الطب_إن شاء الله _ وهتفرحي بيا .
تبتسم مبروكة وفي عينيها نظرة عتاب قائلة : " تعالا في حضن أمك يا حبيبي "

يرتمي صابر في أحضان مبروكة أمه باكيًا بكاءًا حارًا جعل العم شرف تذرف دمعاته قائلًا
" ايه يا صابر .. ايه يا أم صابر .. ما تصلو ع النبي كده ..
-         الاثنان في وقت واحد { اللهم صلّ عليك يا نبي } .

تمر الأيام وتأتي الليلة الموعودة ؛إنها ليلة إعلان نتيجة  الثانوية العامة .
-أم صابر : "تعالى يا ابني خدني ع البتاع اللي بيشوفو فيه النتيجة ده "
 - صابرًا مازحًا : " اسمه سايبر يا روكة "
- مبروكة: أنا عارفة بأة ؟ّ!! منتو عليكو أسامي غريبة كده

بعد ضغطة زر وإدخال الرقم( 00024681).. والانتظار.. دقات القلب في تزايد ملحوظ .. العرق يتصبب من جبهة صابر
. . أم صابر تتمتم ببعض الأدعية وآي الذكر الحكيم .. تمر اللحظات .. والنتيجة.. {101٪ }
صارخًا : الله أكبر . الله أكبر .. طب يا أمّا .. طب .. طب
باكية بحرارة واضعة يديها على وجهه :  مبروك يا صابر ..قصدي يا دكتور صابر

تمر السنون وصابر يكافح ويعيش على حلم واحد يبيت ليله ويصحو نهاره عليه ؛ يحلم بأن يكون الدكتور صابر ويقوم بفحص أول مريض له في حياته ، ويضع السماعة على قلبه _ سماعة روكة _

يتخرج صابر ثم يكمل سنة الامتياز وبعدها يقوم بتحضير رسالة الماجستير في أحد التخصصات المهمة والصعبة الخاصة بعمليات القلب المفتوح ؛الأمر الذي رشحه لبعثة الطلاب المتميزين إلى انجلترا لاستكمال دراسته والحصول على الدكتوراه ..

لا يمر أسبوع إلا ويطمئن صابر على والدته ويخبرها بآخر مستجدات حياته ورسالته وكيف أنه عمل هناك بأحد أشهر المستشفيات ودائمًا ما يتذكر كلمة مبروكة الشهيرة له " قلبي وربي راضيين عنك بكرة هتكون أحسن خلقه وهتقول روكة قالت ."

سيارة فارهة تدخل الشارع الضيق.. بالكاد يتسع لها ..تقف أمام فرش الخضار وينفتح الزجاج الكهربي ..يبرز رجل في العقد الثالث من عمره يظهر عليه الأبهة مرتديًا نظارة شمس تميل إلى اللون البني موجهًا رأسه خارج النافذة مبتسمًا : " صباح الخير يا روكة "

تنظر السيدة مبروكة وكأن شيئًا ما أمسك بلسانها.. تظهر عليها ملامح البِشر والسرور .. متمتمة :
ابني صابر ..ابني صابر .. الدكتور صابر .. ابــــــــــــــــــــــــــــــنـــــــــــــــــــــــي

يُهرع إليها خارجًا من السيارة ليحتضنها .. تتوقف.. يقبل عليها: " مالك يا أمّا ؟؟"
-         " الطينة وهدومك يا ابني "
يتجاهل صابر ما تقول ويرتمي في أحضانها ..
وحشتيني يا أمّا ..
وحشتيني يا أمّا ..
وحشتيني يا روكة ..
ويمضي قطار العمر وتقلب  صفحة الذكريات
  
                                                                                           

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق